في الذكرى الـ 52 لحرب يونيو67.. هل ساهمت السعودية في تمكين إسرائيل من الانتصار فيها؟

محمد النوباني

من الحقائق المهمة، التي تمّ التعتيم عليها ومحاولة منع الجمهور العربي من الاطّلاع عليها ، تلك الحقيقة المهمة القائِلة بأن حكّام السعودية قد لعبوا دوراً بارزاً ومحورياً في تمكين إسرائيل من القيام من خلال تبنّي الملك عبد العزيز لوعد بلفور البريطاني بإقامة وطن لليهود المساكين في فلسطين على حد تعبيره ، ومن ثم من خلال الدور الذي لعبته المملكة في استنزاف القوات المسلّحة المصرية إبان حُكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في حرب اليمن ، ما مكّن إسرائيل من إلحاق الهزيمة الكارثية بالأمّة العربية في حرب الخامس من يونيو عام 1967م واستكمال الاستيلاء على فلسطين التاريخية وشبه جزيرة سيناء المصرية المترامية الأطراف وهضبة الجولان السورية.
وبهذا المعنى يمكن فَهْم مغزى ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ردّاً على مطالبة بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي بوقف مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية ، بسبب دور وليّ عهدها الأمير محمّد بن سلمان في قتل وتقطيع وتذويب جثة الصحافي السعودي جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول. (لا تنسوا أنه لولا السعودية لما قامت إسرائيل ولولا السعودية لما بقيت إسرائيل)،
ولكي نوضح طبيعة الدور الذي لعبته السعودية في هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى أن إسرائيل كانت تخطّط منذ إنشائها في العام 1948م لاحتلال ما لم تتمكّن من احتلاله من أراضٍ فلسطينية في حرب1948م، وأقصد الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزّة كخطوةٍ لا بد منها على طريق إقامة إسرائيل الكبرى التي خطط الصهاينة ‘لإقامتها في مؤتمر بازل 1897م بحدود جغرافية تمتد من النيل إلى الفرات، حينما تسمح الظروف الموضوعية والذاتية بتحقيق ذلك”…
ولكن الأحداث الثورية التي شهدها الوطن العربي كرد فعل على نكبة العام 1948 والتي تمثلت بالإطاحة بالأنظمة الفاسدة التي ثبت تورّطها وضلوعها في صناعة النكبة الفلسطينية ، وإنشاء إسرائيل وصعود أنظمة وطنية تقدّمية مُعادية للإمبريالية والمشروع الصهيوني والرجعية العربية على أنقاضها ، وفي المقدّمة منها نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ، قد أربك مخطّطات إسرائيل التوسعية وشكّل خطراً وجودياً عليها ، ولذلك كان ينبغي الخلاص منه بأي ثمن لكي تعود قوّة الدفع للمشروع الصهيوني. بكلماتٍ أكثر دقّة فقد شكّل ظهور الزعيم المصري العربي الراحل جمال عبدالناصر بقوّة في المشهدين السياسيين المصري والعربي، وحمله لواء أول مشروع نهضوي تحرّري وحدوي عربي في القرن العشرين، والأهم من هذا وذاك تمسّكه باستعادة الجزء الذي احتله الصهاينة من فلسطين في العام 1948م كابوساً مرعباً لثلاث قوى كانت مسؤولة عن صناعة النكبة الفلسطينية وهي إسرائيل والامبريالية البريطانية أولاً ثم الأمريكية ، بعد أفول نجم الأولى والرجعية العربية بزعامة السعودية. ولذلك فقد أجمعت كلها واتفقت على ضرورة الخلاص منه مهما كلّف الثمن.
وكانت المحاولة الجدية الأولى للخلاص من عبدالناصر قد تمثلت في العدوان الثلاثي الذي شنته كل من إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على مصر عام 1956م، حيث كانت الأولى ترمي لإجباره على التخلّي عن مطلب تحرير فلسطين والثانية للانتقام منه بسبب تأميمه لقناة السويس ، والثالثة لإجباره على وقف الدعم المالي والتسليحي للثورة الجزائرية.
إلا أن فشل ذلك العدوان بسبب صلابة عبد الناصر والمقاومة الضارية التي أبداها جيش وشعب مصر في مواجهة المعتدين في مدن قناة السويس ، والإنذار السوفياتي الشهير الذي دخل التاريخ باسم (إنذار بوغنين) بضرب الدول الثلاث بالصواريخ النووية ما لم يتوقّف العدوان ، وما أدّى إليه ذلك من خروج عبدالناصر منتصراً من تلك الحرب ، أفشل أهداف ذلك العدوان ورد كيد المُعتدين إلى نحورهم.
ومع ذلك فإن حكّام إسرائيل ورغم ذلك الفشل لم يتوقّفوا عن مساعيهم ومؤامراتهم الهادِفة إلى التخلّص من جمال عبد الناصر، لقناعتهم بأنه من دون تحقيق ذلك الهدف سوف يتجمّد المشروع الصهيوني عند الحدود التي وصل إليها عام 1948م بل وأكثر من ذلك فإنه قد يفقد زخمه وينهار.
ومن هنا فقد بدأ حلف العدوان الإسرائيلي الأمريكي السعودي بالتفكير المُعمَّق والجدّي في استدراج عبد الناصر إلى حربٍ جديدةٍ تمكّنهم من الخلاص منه من ناحية والسيطرة على المنطقة من ناحيةٍ ثانية.
وتمّ بداية في هذا الإطار استفزاز عبد الناصر من خلال التدخّل السعودي ضد الجمهوريين في اليمن ، فما كان منه إلا أن أرسل قوات مصرية إلى هناك ما لبثت أن تورّطت في حرب عصابات أرهقتها وأوقعت فيها خسائر بشرية ومادية جسيمة ، ما أضعف بالتالي من مقدرة الجيش المصري على مواجهة عدوه الإسرائيلي.
وتكشف المصادر التاريخية عن أن الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز أرسل رسالة إلى الرئيس الأمريكي ليندن جونسون ، نشر صورة عنها على وسائل التواصل الاجتماعي الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح قبل مقتله العام الماضي، طلب منه فيها الإيعاز لإسرائيل بشنّ حرب ضد مصر لأن ذلك هو الطريق الوحيد لإجبارها على التخلّي عن ثورة اليمن وترك الجَمَل اليمني بما حَمَل لأمريكا وإسرائيل والسعودية..
وقد لبّى جونسون الطلب السعودي وحدّد لإسرائيل ساعة الصفر لشنّ الحرب ضد مصر في الخامس من حزيران عام 1967م بعد أن خدع عبدالناصر وأوهمه بأن إسرائيل لن تكون هي البادئة بشنّ حرب على مصر.
ونقل رسالة بهذا المعنى إلى نائب عبد الناصر آنذاك زكريا محيي الدين أثناء الزيارة التي قام بها الأخير إلى واشنطن قبل الحرب ، لاستكمال إيقاعه في الشرك تماماً كما فعلت السفيرة جلاسبي مع الرئيس الراحل صدّام حسين عشيّة اجتياحه الكويت في العام 1990م من القرن الماضي ، لإيجاد الذريعة لأمريكا لاستخدام ذلك الاجتياح كمبرّرٍ لتدمير الجيش العراقي ، وهو الأمر الذي حصل في مطلع عام 1991م واستُكمِل باحتلال العراق عام 2003م.
وهكذا يمكن القول إن السعودية كانت شريكة كاملة لإسرائيل وأمريكا في صناعة نكسة الخامس من يونيو عام 1967م، وفي كل المصائب والكوارث التي لحقت وتلحق بالفلسطينيين والعرب منذ ذلك التاريخ المشؤوم وحتى اليوم.
*موقع “الميادين”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *