الأخبار المحليةالتقارير

هل يكتب اليمن شهادة وفاة التحالف السعودي الإماراتي؟

يمكن أن يؤدي التوتر المتصاعد بين الحليفتين القديمتين السعودية والإمارات إلى انفصال الجنوب في اليمن، وسيؤثر سلباً على حملات ضغط البيت الأبيض على إيران.

في الـ7 من أغسطس، اشتعل القتال في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن. حشد ذلك العراك المجلس الانتقالي الجنوبي -وهو ائتلاف مكون من قوات مسلحة انفصالية كان يتم دعمها وتدريبها من قبل الإمارات- ضد حكومة عبده ربه منصور هادي المعترف بها دولياً والتي تدعمها السعودية.

وقد ألقى هذا العراك بالضوء على تباينات طويلة الأمد فيما بين الأهداف السعودية والإماراتية في اليمن. وهذا بدوره قد كشف عن تصدع أوسع بين مقاربتي السياسة الإقليمية لهذين الشريكين الرئيسيين لأمريكا في الأمن؛ الأمر الذي قد يوقع واشنطن في عراك إقليمي آخر، وقد يعقد موقف إدارة ترامب من إيران.

في الوقت الذي حاول فيه القادة السعوديون والإماراتيون أن يقللوا من حجم ذلك الصدع، أظهر القتال الأخير في عدن أن المقاربات السعودية والإماراتية في صراع اليمن قد اختلفت منذ بداية تدخل التحالف في حرب اليمن في مارس 2015. حيث أن أولوية السعودية الأولى والأهم هي تأمين حدها الجنوبي من “الحوثيين” -الذين حصلوا على الدعم من المنافس الإقليمي للسعودية إيران. لذا فقد ركزت جهودها على قتال “الحوثيين” في الشمال وقامت بدعم حكومة هادي باعتبارها الكيان الشرعي الوحيد المستحق للاعتراف الدولي.

وعلى النقيض من ذلك، سعت الإمارات إلى تعزيز دورها في الصراع لتوسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في القرن الأفريقي ومضيق باب المندب، وهو رابط حيوي يصل بين طرق التجارة العالمية. وبينما يرى القادة السعوديون والإماراتيون إيران كتهديد خطير، تبقى الإمارات أكثر ضعفاً وغير منيعة على مستوى المواجهة، بسبب قربها الجغرافي وبسبب العلاقات التجارية الأكثر قوة مع الجمهورية الإسلامية: وفي الوقت الذي تنضم فيه الإمارات إلى السعودية لإدانة توسع النفوذ الإيراني ونشاطها العسكري في المنطقة، تحافظ على العلاقات الدبلوماسية (رغم أنها ضعفت منذ 2016) مع إيران.

وهذا التصدع المفتوح بين القوات المدعومة من السعودية والإمارات يؤكد جهود الإمارات الأخيرة للنأي بنفسها عن سياسة السعودية الإقليمية. فالقيادة الإماراتية تخشى أن يخرج الخلاف المتصاعد القريب منها مع إيران عن السيطرة، وبالتالي يسبب الأذى الخطير للبناء الاقتصادي للإمارات التي تحاول أن تنوع في إنتاجها بعيداً عن الاعتماد على النفط، عن طريق تطوير قطاعات أخرى مثل السياحة والاستثمار المالي. بالإضافة إلى أنه يبدو أن القادة الإماراتيين قد تعبوا من كونهم جزءاً من اللوم والاتهام بشأن وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين وانتهاكات حقوق الإنسان والتسبب في أزمة إنسانية في اليمن؛ وفي حين أن المليشيات الممولة من الإمارات متهمة بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، تسببت أيضاً حملات القصف العشوائية التي شنتها السعودية في وقوع ضحايا غالبيتهم من المدنيين في اليمن.

أخذت الإمارات المسؤولية على عاتقها بالنسبة لجنوب اليمن، وذلك بنشرها للقوات التابعة لها هناك من أجل تقديم التدريب والدعم إلى المليشيات الجنوبية المحلية، وبقيادتها لعمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وبمساعدتها في التنمية الاقتصادية في المنطقة. وكان المجلس الانتقالي الجنوبي شريكاً طبيعياً في هذه العمليات.

وهذه المجالات المتباينة للتركيز قد أدت إلى توتر خطوط الصدع التي نتجت عن اتفاق الوحدة المتفاوض عليها بشكل سريع في عام 1990، والتي جمعت شمال وجنوب اليمن. فقد كانت كلتا الدولتين عبارة عن كيانين سياسيين منفصلين منذ قرون. وكان الاتحاد السوفييتي هو المصدر الأجنبي المهم للمساعدة الخارجية لـ”جنوب اليمن” أو “جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية” حتى أواخر الثمانينيات. بيد أن الخسارة غير المتوقعة للقوة العظمى الراعية لهم قد أدت إلى الاتحاد في ربيع 1990، إلا أن الوحدة قد خلفت عدداً من الجنوبيين بمظالم لم يتم حلها بشأن التمثيل في الحكومة المركزية الجديدة وتوزيع موارد الدولة.

بقيت هذه المظالم من خلال حرب الانفصال في 1994 وما تلاها من صعود للحركة الشعبية الجنوبية (أو الحراك) في 2007. وقد تحرك المجلس الانتقالي اليمني المنبثق من الحراك لردع الهجوم “الحوثي” في 2015. والدعم الشعبي لحركات الانفصال لا يزال في الجنوب حتى يومنا هذا، كما يتضح من التظاهرة الحاشدة التي خرجت في الأسبوع الماضي من أجل تأييد ودعم سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن.

والمعارضة المشتركة بين المجلس وحكومة هادي لـ”الحوثيين” قد جعلتهم في صف واحد اسمياً، إلا أنه -خلف الكواليس- لطالما كانوا غرباء عن بعضهم البعض. والآن مع دعم وتدريب الإمارات، أصبحت قوات المجلس المنشقة أكثر تنظيماً وأكثر قدرة وتسليحاً، كون الصراع مستمراً وكونهم مستمرين في دعم استقلال الجنوب. وبينما أدرك القادة السعوديون أن أهداف قيادة المجلس كانت غير منسجمة مع أهداف حكومة هادي -والقتال الذي أثار الخلاف بين المجلس وحكومة هادي في عدن في يناير 2018 قد أكد ذلك؛ كانت السعودية على ما يبدو راغبة في النظر إلى الطريق الآخر في اهتمامها بشأن جمع الحلفاء في قتالها ضد “الحوثيين”.

لا يزال السعوديون والإماراتيون يدعون بأنهم شركاء مقربون من بعضهما في اليمن وعبر المنطقة. لكن الآن، وبعد أكثر من أربعة أعوام من القتال، فإن استراتيجيتهم المتباينة على الأرض في اليمن قد عقدت الجهود (إن لم تكن قد دمرتها) للحفاظ على معارضة موحدة لـ”الحوثيين”، لاسيما أن الإمارات شرعت من طرفها في تخفيف تدخلها العسكري، كاعتراف واضح بأن الحرب في اليمن لا يمكن حسمها عسكرياً وأن الإمارات قد تكبدت أضراراً أكبر، على مستوى سمعتها الدولية، مما كانت تريد أن تتحمله. وكان ذلك أيضاً إشارة إلى حقيقة أن مهمتها في تأمين المطارات والنفوذ السياسي في الجنوب قد انتهت بشكل أساسي.

بينما يشير الانسحاب الإماراتي -الذي بدأ هذا الصيف- إلى أن الإمارات تحاول إبعاد نفسها عن اليمن، ليس من الواضح، في واقع الأمر، كيف ستتحول استراتيجية السعودية دون هذا الشريك الأساسي، ولا يبدو حتى أن السعودية نفسها متأكدة من هذا الأمر. حتى الآن يظهر القادة السعوديون وهم ينتقدون أعمال المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، بينما يضاعفون استراتيجيتهم العسكرية للتغلب على “الحوثيين”، لكن ليس من الواضح كيف يمكنهم تحقيق هذا الهدف دون الدعم الإماراتي.

تعكس التعليقات في وسائل الإعلام السعودية حالة عدم اليقين هذه، حيث تؤكد شخصيات إعلامية كعبد الرحمن الرشيد، المقرب من القادة السعوديين الحاليين، أن الجنوبيين اليمنيين كان ينبغي أن يكون لديهم الحق في إعلان استقلالهم يوماً ما؛ فقط ليس الآن. (وقد تدخلت السعودية لفترة طويلة في اليمن، كدعمها للانفصاليين في عام 1994، ولكن منذ 2015 ركزت الحكومة السعودية على هزيمة “الحوثيين” وتوحيد الدولة في ظل حكومة هادي).

بشكل أكثر تعميماً، تطرح الاستراتيجيات السعودية والإماراتية المتباينة عقبة كبرى أمام التوصل إلى تسوية سياسية طويلة الأمد في اليمن. والاختلافات حول هيكل الدولة المستقبلية عرقلت العملية السياسية الانتقالية التي عقبت الربيع العربي والمتمثلة في مؤتمر الحوار الوطني الذي كانت ترعاه دول الخليج، بعد تظاهرات شاملة أدت إلى استقالة الرئيس علي عبد الله صالح. فشلت عملية مؤتمر الحوار بعد أن رفض كل من “الحوثيين” والحراك نتائجه، الأمر الذي بدوره قد فتح الباب لـ”الحوثيين” كي يسيطروا على العاصمة صنعاء في 2014. لذا فإن أي تسوية سياسية اليوم سوف تتطلب معالجة هذه المظالم الإقليمية، بالإضافة إلى الصراع بين حكومة هادي و”الحوثيين”.

كما يظهر القتال في عدن أن إنهاء تدخل التحالف ببساطة ليس كافياً لحل الصراع. كانت اليمن مقسمة إلى دولتين لفترة طويلة أكبر من فترة اتحادها. حتى إذا كانت النقاشات مع المجلس الانتقالي الجنوبي في جدة ستؤدي إلى تعديل وزاري في اليمن، يشمل بعض شخصيات المجلس في الحكومة، فسيكون ذلك حلاً سطحياً ومؤقتاً لهذه المشكلة البنيوية. قبل انسحابهما؛ ستحتاج السعودية والإمارات إلى استخدام نفوذهما من أجل الضغط على وكلائهم المحليين كي يفاوضوا ويلتزموا بتسوية سياسية.

عملياً، من المحتمل أن التسوية السياسية ستعني على الأقل إجراء استقلال حكومي للجنوب إن لم يكن انفصالاً جنوبياً على المدى البعيد. ستحتاج الحكومة المركزية إلى وحدة أو حكومة مشتركة القوى تشمل “الحوثيين”، بالإضافة إلى جماعات منشقة يدعمها التحالف السعودي. كان التحالف عاجزاً عن هزيمة “الحوثيين” عسكرياً على مدى سنوات عدة من القتال. ومع انسحاب الإمارات فإن خيار النصر العسكري الصريح بات خارج الطاولة.

بالتالي يجب على قادة السعودية أن يقروا بأن “الحوثيين” سيشكلون جزءاً من الحكومة المركزية لليمن. وهذا واقع رفضت الرياض الاعتراف به من ناحية أن الحرب في اليمن ينظر إليها كسياسة توقيع للأمير محمد بن سلمان، ويمكن أن ينظر إلى الانسحاب كخسارة ماء الوجه بالنسبة له شخصياً؛ في الوقت الذي يبحث فيه عن دعم سياسي في الداخل.

كما أن محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة يجب أن تبدأ ويشارك فيها أيضاً ممثلو المجلس الانتقالي. انسحبت قوات المجلس المنشقة بشكل صوري من بعض منشآت الحكومية في عدن في 17 أغسطس؛ إلا أنها مازالت تسيطر فعلياً على المدينة وزنجبار، عاصمة المحافظة المجاورة أبين. وفي الوقت الذي يحضر فيه المجلس القمة التي ترعاها السعودية، لا يحتمل أن ينسحب من المواقع الهامة، على الأقل ليس بدون الفوز بامتيازات سياسية هامة من الرياض. وعلى الصعيد العملي، يمكن أن يعني ذلك أن المجلس الانتقالي يعلن ولاءه للحكومة المركزية مقابل دعم التحالف لجنوب مستقل كجزء من تسوية شاملة.

والحقيقة أن ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد قد قام بزيارة مكة من أجل الالتقاء بالملك السعودي سلمان. وبسرعة، أثار ولي عهده الأمير محمد بن سلمان النقاط حول مدى أهمية اليمن بالنسبة للعلاقة السعودية والإماراتية. وسيكون الصراع المستمر في اليمن مصدر خلاف بين الرياض وأبو ظبي والذي يمكن أن يتوسع بشكل أسرع، وسيضغط على مبادرات سعودية إماراتية مشتركة أخرى في المنطقة، بما في ذلك الخلاف الدبلوماسي مع قطر والدعم لحلفاء إقليميين كالمجلس الانتقالي العسكري السوداني.

وسوف يترك الصدع بين الاستراتيجية الإقليمية السعودية والإماراتية صدى قوياً بالنسبة للولايات المتحدة، منذ أن كانت العلاقة السعودية الإماراتية هي أساس استراتيجية إدارة ترامب الإقليمية. وقرار الإمارات إعادة التموضع نفسها لتجنب حرب مكلفة مع إيران سوف يعقد بشكل واضح استراتيجية إدارة ترامب في التعامل مع إيران.

أصبح هذا واضحاً في محاولات الإمارات لتخفيف التوترات مع إيران إثر أزمة الناقلة. في يوليو، أرسلت الإمارات وفداً إلى طهران لمناقشة الأمن البحري في الخليج. وبينما حاولت وسائل الإعلام الإماراتية استعراض أهمية هذه الاجتماعات، كشفت عن مخاوف الإمارات من أن تؤدي حملات الضغط الأمريكية على إيران إلى نتائج عكسية، فتقوم بإشعال وخلق صراع مع إيران سيكون له آثار مدمرة على الإمارات.

في الواقع، إن حملة إيران لزيادة الضغط في الخليج في الأيام الأخيرة قد أوضحت بشكل صريح أن الإمارات ستكون هدفاً قريباً سهل المنال إذا تم إثارة الصراع. وكشريك للأمريكيين في الأمن، تمتلك الإمارات منشآت يحتمل أن تستخدمها الولايات المتحدة في أي حرب مع إيران، مثل قاعدة الظفرة الجوية وميناء جبل علي. وستكون الإمارات عرضة للهجمات الإلكترونية الإيرانية والهجمات التي تطلقها إيران عبر وكلائها الإقليميين، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز وتهديدات أخرى لطرق الشحن الدولي.

بينما كان الجيش الإماراتي محل ثناء من قبل مسؤولين أمريكيين، باعتباره “سبرطة الصغيرة” بسبب قدراته العسكرية الهامة، سيضع أي صراع مع الجارة إيران أقل من 20.000 من قواته المنتشرة على الأرض تحت ضغط كبير. علاوة على ذلك، ستتضرر سمعة الإمارات كواحة للاستقرار في منطقة تمزقها النزاعات، ربما بشكل لا يمكن إصلاحه لاحقاً، من جراء حرب مع إيران. فالبنية الاقتصادية مرتكزة على قدرتها في جذب الأعمال التجارية والاستثمار الأجنبي والسياحة. والصراع مع إيران سيسبب ضرراً خطيراً على علاقات دبي التجارية مع إيران.

ومع ذلك، ربما لن يأتي الاختبار الصحيح للعلاقة حتى يتم ترشيح رئيس جديد لأمريكا في العام 2020 وعام 2024. بينما اتجهت كل القيادة السعودية نحو إدارة ترامب، ويبدو أنها تتجاهل البقية الغاضبين في واشنطن ممن هم مستاؤون من مقتل جمال خاشقجي ووقوع الضحايا المدنيين جراء حملات قصف التحالف في اليمن. والقادة الإماراتيون أكثر قلقاً من أن تصبح علاقاتهم الثنائية قضية حزبية.

وكما قال الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، مؤخراً، بصراحة أكثر: “هل حقاً تريد أن تضع كل بيضك في سلة ترامب؟”، قد تتغير طبيعة العلاقة السعودية الإماراتية بطريقة أكثر جوهرية؛ إذا أثبتت الإمارات أنها أكثر مهارة من السعودية في نقل ولائها إلى الإدارة الأمريكية الجديدة وإذا أصبحت الإمارات تنال استحساناً أكثر من السعودية في واشنطن.

(أليكساندرا ستارك – فورين بوليسي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق