أبعاد العملية اليمنية الثالثة وتحولاتها.. وحدة الساحات من النظرية إلى الميدان

|| مأرب نت || 13 شوال 1447هـ

 

دخلت المواجهة الراهنة بين محور الجهاد والمقاومة والعدوّ الصهيوأمريكي منعطفًا بنيويًّا جديدًا عقب الإعلان الأخير للقوات المسلحة اليمنية عن تنفيذ العملية العسكرية الثالثة في عمق فلسطين المحتلة، والذي اتسم بلغة عسكرية مكثفة، لا يمكن قراءته بمعزلٍ عن سياق وحدة الساحات الذي كان ولا يزال بروتوكول عملياتيًّا ميدانيًّا، يفرض واقعًا معقدًا على دوائر صنع القرار لقوى العدوان، ويضع منظوماتها الدفاعية في مواجهة جبهة مشتعلة تمتد من مضيق هرمز وباب المندب وصولاً إلى أم الرشراش والجليل وحيفا ويافا.

وتكمن الدلالة الأولى والأبرز في هذا البيان في الإفصاح الصريح عن العمل المشترك مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، ويُشير إلى تجاوز مرحلة التنسيق العام والدخول في مرحلة التزامن العملياتي، ضمن “معركةِ الجهادِ المقدسِ”، ما يعني وجود ما يشبه غرف عمليات موحدة تدير التوقيت، المسارات، وأنواع الوسائط التدميرية المستخدمة، ونوعية الأهداف.

ووفقًا للمعطيات؛ فدمج الصواريخ البالستية اليمنية في جدول زمني واحد مع عمليات الساحات الأخرى يهدف بالدرجة الأولى إلى استنزاف المنظومات الدفاعية للعدوّ، وهي استراتيجية تهدف إلى إنهاك “السهم” و”المقلاع” والقبة الحديدية الصهيونية عمومًا، عبر تعدّد مصادر النار والتهديد وتنوع زوايا الهجوم، ما يرفع وصول الرؤوس الحربية إلى أهدافها الحساسة بنسب عالية جدًا.

وبالانتقال إلى الجغرافيا المستهدفة؛ فإنّ التركيز اليمني على جنوب فلسطين المحتلة يحمل أبعادًا اقتصادية وعسكرية استراتيجية؛ فمنطقة الجنوب، التي تضم ميناء أم الرشراش “إيلات” الحيوي وقواعد جوية وعسكرية حساسة، تُمثل العمق الذي حاول الاحتلال تصويره كمنطقةٍ آمنة نسبيًّا مقارنة بالشمال والوسط المشتعل بنيران إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان.

وإصرار القوات المسلحة اليمنية على استهداف هذه المنطقة تحديدًا، وبالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة عالية التدمير، يؤكّد امتلاك صنعاء لبنك أهداف ديناميكي وقدرة على اختراق الفراغات الأمنية في “النقب” وما وراءه، ما يعطل مفهوم العمق الآمن ويحول الكيان بالكامل إلى ساحة مفتوحة للاستهداف، مع ما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية واقتصادية هائلة على الجبهة الداخلية للمغتصبين الصهاينة.

أمّا من الناحية السياسية والردعية؛ فإنّ العملية تحمل رسالة التصعيد مقابل التصعيد، وهي معادلة تضع حدًّا لمحاولات العدوّ تحجيم الصراع أو الاستفراد بساحة دون أخرى؛ فعندما ذكر العميد يحيى سريع، العراق وإيران ولبنان وفلسطين في ديباجة البيان هو يرسم حدود الأمن القومي للمقاومة، ولم يكن بيانًا بروتوكوليًّا فقط.

التموضع اليمني في هذه الحرب ينبئ بأن المرحلة المقبلة قد تشهد عمليات نوعية تتجاوز النمط التقليدي للرشق الصاروخي، لتصل إلى عمليات مركبة تشترك فيها أسلحة الجو والبر والبحر من مختلف الساحات في آنٍ واحد، واليمن هُنا يطرح نفسه كلاعب إقليمي وازن، لا يكتفي بالإسناد، وإنّما يربط استقرار العدوّ والمنطقة باستقرار بلدان المحور.

ويستشف من ثنايا البيان أننا أمام استراتيجية النفس الطويل المقرونة بالعمليات الخاطفة؛ فالقوات المسلحة اليمنية، ومن خلال ربط توقف عملياتها بوقف العدوان ورفع الحصار، تضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي والاحتلال وداعمه الأمريكي، مؤكّدة أنّ القدرات التقنية في تطورٍ مستمر، وأن التنسيق مع المحور هو انصهار كامل للقدرات العسكرية في بوتقةٍ واحدة.

وبالنتيجة؛ فإنّ التنبؤ بمستقبل المواجهة والصراع يُشير إلى أن العملية اليمنية الثالثة، ليست سوى مقدمة لموجات تصاعدية ستكون أكثر تعقيدًا من الناحية التكنولوجية والجغرافية، ما يجعل من جبهة اليمن رقمًا صعبًا يمنح المحور دفعة من التفوق في إحكام الطوق، ويمنع حسم المعركة لصالح الأجندات الصهيو-أمريكية في المنطقة، ويرسم ملامح خارطة عسكرية بمدادٍ من نارٍ وصواريخ لا تخطئ أهدافها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى