تقرير أمريكي: اليمن يوسع نفوذه على طرق الشحن البديلة

|| مأرب نت || 30 صفر  1448هـ

 

في تحول لافت في طبيعة القراءات الغربية للعمليات العسكرية اليمنية، أقرّ موقع «ذا سايفر بريف» الاستخباري الأمريكي بأن القوات المسلحة اليمنية في صنعاء قد حققت خلال عملياتها الأخيرة ضد النظام السعودي والقوات التابعة له مكاسب ميدانية واستراتيجية تجاوزت كافة تقديرات وتوقعات خصومها، مؤكداً أن صنعاء تدير المعركة بمهارة استثنائية في اختيار الأهداف وتوزيع الضغط بدقة بالغة بين المسارح البرية والبحرية والاقتصادية.

التقرير الذي وضعه الباحث آري هايستاين — المرتبط بمعهد القدس للاستراتيجية والمستشار لشركات صهيونية — جاء محاملاً بنبرة عدائية وتحريضية واضحة، إلا أنه لم يملك إلا أن يقدم شهادة موضوعية بحجم التحول الجذري في قدرات القوات المسلحة اليمنية، وطريقتها الفريدة في إدارة المواجهة المفروضة والمباشرة وتكسير موازين قوى العدوان.

وكشف التقرير الأمريكي أن صنعاء نجحت في كسر كلاسيكيات الحروب التقليدية عبر فتح جبهتي ضغط متزامنتين وبإيقاع مذهل؛ الأولى موجهة بشكل مباشر ضد العمق السعودي ومنشآته الاقتصادية الحيوية ومصالح طاقته، والثانية تستهدف تحركات القوات الموالية للرياض والتشكيلات التابعة لها داخل الأراضي اليمنية.

وقد اعتمدت القوات المسلحة في هذين المسارين على استخدام مكثف ومتنوع للصواريخ الباليستية والمجنحة وطائرات الاستطلاع المسيرة، ضمن عمليات متتابعة ومتغيرة الأهداف تحرم العدو من أي فرصة لالتقاط الأنفاس أو تثبيت خطوط دفاعية مستقرة.

وأشار التقرير إلى أن محاولة تفسير هذا التصعيد اليمني باعتباره رد فعل آنياً أو مرتبطاً بعوامل داخلية بحتة يُعد قراءة قاصرة، لافتاً إلى أن التحركات العملياتية لصنعاء تنطلق من ثلاثة حسابات استراتيجية دقيقة وثابتة:

تثبيت الردع الاستراتيجي: تؤكد صنعاء عبر عملياتها أن أي رهان من قبل تحالف العدوان على استغلال الظروف الاقتصادية أو الضغوط الإنسانية لتقويض الجهوزية العسكرية هو رهان فاشل. وقد أوصلت الضربات الأخيرة رسالة قاطعة بأن أي تحرك عسكري للقوات التابعة للرياض سيواجه رداً فورياً ومباشراً. وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن صنعاء مارست قدراً عالياً من الحنكة وضبط النفس خلال المراحل الأشد سخونة للمواجهة مع المحور الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما أساء خصومها قراءته على أنه تراجع، لتأتي العمليات الأخيرة لتبدد تلك الأوهام وتؤكد قدرة صنعاء على القتال الفعّال على جبهات عدة في آن واحد.

الضغط الاقتصادي لانتزاع الحقوق: تستثمر صنعاء قوتها العسكرية لفرض معادلة ضغط اقتصادي حقيقية على النظام السعودي، بهدف إجباره على الرضوخ لتسوية عادلة تعالج الملفات الإنسانية والمعيشية الملحة لشعبنا اليمني، وفي مقدمتها ملف الرواتب، وإعادة الإعمار، والرفع الكامل للحصار المفروض على الموانئ والمطارات. وأكد التقرير أنه في حال استمرار تعنت الرياض، فإن مواصلة استهداف صادرات النفط وطرق الملاحة سترفع تكلفة تمويل الميليشيات والمرتزقة داخل اليمن، مما يضعف تلك التشكيلات ويمنح صنعاء تفوقاً حاسماً بفضل قاعدتها السكانية الواسعة ومواردها الذاتية الكبيرة مقارنة بالمرتزقة.

استثمار التحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر: استفادت صنعاء بذكاء بالغ من تداعيات إغلاق مضيق هرمز، والذي أجبر السعودية على الاعتماد بصورة أكبر على البحر الأحمر وباب المندب كمسار بديل لتصدير طاقتها. هذا التحول وضع جزءاً رئيسياً من خطوط الصادرات والمصالح البحرية السعودية في دائرة القدرة العملياتية اليمنية الخالصة، مانحاً صنعاء أوراق نفوذ إضافية لا يمكن تجاوزها.

وأشاد «ذا سايفر بريف» بمستوى الانضباط والاحترافية التي تدير بها صنعاء ورقيتها العسكرية، مبيناً أن العمليات تتسم بانتقائية بالغة الدقة تحرص على استهداف المصالح المرتبطة حصراً بالعدوان والسعودية، مع تفادي استعداء أطراف دولية لا علاقة لها بالمواجهة (مثل الصين)، وهو ما يحبط أي محاولات أمريكية لتشكيل تحالف دولي واسع ضد اليمن.

وأقر التقرير بأن هذه المقاربة حققت نتائج فاقت توقعات الخصوم، إذ إن انتقال القوات اليمنية بمرونة عالية من هدف إلى آخر ومن جبهة إلى ساحة أخرى يبقي الرياض وحلفاءها في حالة دائمة من الترقب وفقدان اليقين، ويعجزهم عن توقع مكان الضربة القادمة.

خلاصة المشهد: صنعاء تفرض إيقاع المعركة
يخلص التقرير الأمريكي إلى أن القوة العسكرية لصنعاء لا تقف عند حدود مدى الصواريخ أو أعداد المسيّرات، بل تكمن في العقلية الهندسية التي تدير الصراع عبر اختيار التوقيت والمسرح والهدف الأنسب لتحقيق أقصى ضغط عسكري واقتصادي بأقل كلفة ممكنة.

وبهذا النمط العملياتي المتكامل — الذي يضرب التحشيدات براً، ويضغط على الملاحة بحراً، ويهدد العمق استراتيجياً — تثبت صنعاء أنها باتت تملك زمام المبادرة وتفرض إيقاع المواجهة بالكامل على خصومها، مترجمةً وعيد القيادة وأحرار اليمن إلى واقع ميداني لا مناص للعدو من التسليم بتبعاته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى